الآلوسي

68

تفسير الآلوسي

نعم استدل بها على صحة نية رمضان في النهار ، وتقرير ذلك أن قوله تعالى : * ( ثم أتموا ) * الخ معطوف على قوله : * ( باشروهن ) * إلى قوله سبحانه : * ( حتى يتبين ) * وكلمة * ( ثم ) * للتراخي والتعقيب بمهلة - واللام - في ( الصيام ) للعهد على ما هو الأصل ، فيكون مفاد * ( ثم أتموا ) * الخ الأمر - بإتمام الصيام - المعهود أي الإمساك المدلول عليه بالغاية سواء فسر بإتيانه تاماً ، أو بتصييره كذلك متراخياً عن الأمور المذكورة المنقضية بطلوع الفجر تحقيقاً لمعنى ( ثم ) فصارت نية الصوم بعد مضي جزء من الفجر لأن قصد الفعل إنما يلزمنا حين توجه الخطاب ، وتوجهه - بالإتمام - بعد الفجر لأنه بعد الجزء الذي هو غاية لانقضاء الليل تحقيقاً لمعنى التراخي ، والليل لا ينقضي إلا متصلاً بجزء من الفجر ، فتكون النية بعد مضي جزء الفجر الذي به انقطع الليل ، وحصل فيه الإمساك المدلول عليه بالغاية ، فإن قيل : لو كان كذلك وجب وجوب النية بعد المضي ، أجيب بأن ترك ذلك بالإجماع ، وبأن إعمال الدليلين - ولو بوجه - أولى من إهمال أحدهما ، فلو قلنا بوجوب النية كذلك عملاً بالآية بطل العمل بخبر " لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل " ولو قلنا باشتراط النية قبله عملاً بالخبر بطل العمل بالآية ، فقلنا بالجواز عملاً بهما ، فإن قيل : مقتضى الآية - على ما ذكر - الوجوب وخبر الواحد لا يعارضها ، أجيب بأنها متروكة الظاهر بالإجماع فلم تبق قاطعة - فيجوز أن يكون الخبر بياناً لها - ولبعض الأصحاب تقرير الاستدلال بوجه آخر ، ولعل ما ذكرناه أقل مؤنة فتدبر . وزعم بعض الشافعية أن الآية تدل على وجوب التبييت ، لأن معنى * ( ثم أتموا ) * صيروه تاماً بعد الانفجار ، وهو يقتضي الشروع فيه قبله - وما ذاك إلا بالنية - إذ لا وجوب للإمساك قبل ، ولا يخفى ما فيه . * ( وَلاَ تُبَاشرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكفُونَ في الْمَسَاجد ) * أي معتكفون فيها - والاعتكاف - في اللغة الاحتباس واللزوم مطلقاً ، ومنه قوله : فباتت بنات الليل حولي - عكفاً - * - عكوف - بواكي حولهن صريع وفي الشرع لبث مخصوص ، والنهي عطف على أول الأوامر - والمباشرة فيه كالمباشرة فيه - وقد تقدم أن المراد بها الجماع ، إلا أنه لزم من إباحة الجماع إباحة اللمس والقبلة وغيرهما بخلاف النهي فإنه - لا يستلزم النهي عن الجماع - النهي عنهما ، فهما إما مباحان اتفاقاً بأن يكونا بغير شهوة ، وإما حرامان بأن يكونا بها يبطل الاعتكاف ما لم ينزل وصحح معظم أصحاب الشافعي البطلان - وقيل : المراد من - المباشرة - ملاقاة البشرتين ، ففي الآية منع عن مطلق المباشرة - وليس بشيء - فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها ترجل رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، وفي تقييد - الاعتكاف بالمساجد - دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت - وهو باطل بالإجماع - ويختص بالمسجد الجامع عند الزهري ، وروي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه مختص بمسجد له إمام ومؤذن راتب ، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه : يختص بالمساجد الثلاث ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه لا يجوز إلا في المسجد الحرام ، وعن ابن المسيب لا يجوز إلا فيه أو في المسجد النبوي ، ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يصح في جميع المساجد مطلقاً بناءاً على عموم اللفظ وعدم اعتبار أن المطلق ينصرف إلى الكامل ، واستدل بالآية على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد بناءاً على أنها لا تدخل في خطاب الرجال ، وعلى اشتراط الصوم في الاعتكاف لأنه قصر الخطاب على الصائمين ، فلو لم يكن الصوم من شرطه لم يكن لذلك معنى ، وهو المروي عن نافع مولى ابن عمر ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم - كما أن الصوم لا يكون كذلك - والشافعي رضي الله